تقول الأسطورة إن إيكو كانت حورية ثرثارة، فعاقبتها الإلهة هيرا بحرمانها من القدرة على الكلام بحرية، فأصبحت لا تستطيع سوى ترديد آخر الكلمات التي يسمعها الآخرون. هذا هو حال بيئتنا مع حزب الله، إذ يردد المرء ما يمليه عليه هذا الحزب، فيصبح من الصعب، بل من المستحيل، الخروج عن نصه، وإلا عوقب المرء كما عوقبت إيكو، التي اختفى جسدها حتى لم يبقَ منها سوى صدى.
في كتابها "الزمن المستعمل: نهاية الرجل الأحمر"، تجعلنا سفيتلانا أليكسييفيتش نعيش سقوط الاتحاد السوفيتي ونرى العجب في تشابه مصائر الشعوب، حيث تقول إن الشيوعية خلقت نموذجًا بشريًا فريدًا، وهو الإنسان السوفيتي (homo sovieticus)، وهو شخصية مأساوية لها أبطالها وآلامها ومفرداتها المشتركة.
ربما حاول حزب الله أيضاً ابتكار نموذجه البشري الخاص، نموذج الإنسان على غرار الخميني. لكن، ولزيادة التعقيد، قد لا يكون هذا الإنسان شيعياً، بل قد يكون ناشطاً في مجال حقوق المثليين، أو نسوية تدافع عن الحريات، وما إلى ذلك، ولكلٍّ منهم أبطاله ومعاناته ومواقفه المتنوعة تجاه الموت.
إذا حاول أي شخص التحرر من تأثير هذا الشخص، فسوف يتعرض لوابل من الهجمات الإلكترونية، بالنظر إلى أنه في عصرنا، عصر الاتجاهات والنقرات، يأتي أعظم سلاح من داخل الإنترنت ويمتد ليشمل حياتك الواقعية، ويصل إلى منزلك.
هنا نتحدث عن معارضي حزب الله ومؤيديه على حد سواء. نتحدث من صميم المجتمع الشيعي نفسه، من تجارب الشيعة النازحين الذين فقدوا بيوتهم وأراضيهم، من أولئك الذين أُجبروا على النزوح واللاجئين الفارين. نكشف قصصهم التي أُسكتت بفعل الصوت المهيمن: صوت النصر.
عشية إطلاق حزب الله ستة صواريخ على إسرائيل في مارس الماضي، نزحت عائلات جنوبية مرة أخرى، وتابعت المنصات اللبنانية أوضاع النازحين، خاصة وأن هذا المشهد أصبح متكرراً جداً منذ معركة دعم غزة، التي قرر الحزب خوضها بعيداً عن الدولة اللبنانية وقراراتها.
نشرت منصة "Manateq.net" قصة مزارعة من أيتارون، عبّرت فيها عن معاناتها وتطلعاتها. وقد اعتبر هذا الأمر غريباً من قبل أولئك الذين نصّبوا أنفسهم حماةً لإسكات كل صوت يخالف سردية النصر والصمود، والعبارات التي انتشرت مؤخراً، مثل: "النصر قادم"، و"كلنا مستعدون للتضحية بأنفسنا من أجل المقاومة"، وغيرها.
شنّ العديد من المؤيدين حملةً شرسةً على الإنترنت ضدها، لدرجة أن الصحفي الذي كان يغطي القصة اضطر للعودة إليها في اليوم التالي للاطمئنان على حالتها النفسية. وردّت المرأة النازحة قائلةً: "ماذا حدث؟ ماذا قلت لأستحق كل هذا الهجوم؟"“
نتحدث هنا عن بساطة مزارعي الجنوب، ولا أقصد بذلك سذاجتهم السياسية، بل على العكس تماماً. يعيش هؤلاء المزارعون والفلاحون في مناطق نائية لا تصلها خدمات الدولة اللبنانية، ولا اقتصادها، ولا حتى فسادها.
لم يلتزموا بمبدأ المواطنة بمعناه الحديث، ولم يتعلموا هذه المفاهيم وتطبيقها عندما دخل لبنان عصر الدولة الحديثة (والتي فشلت بالطبع). رأوا في حزب الله بطلهم الوحيد، الذي أوصلهم إلى السلطة عبر شعاراته الدينية ونظام معقد من الاقتصاد الخفي الذي وفره لهم.
مع ذلك، ظل تأثيرها محدودًا في جانب أساسي واحد، ربما لأن ولاءهم الأول ظل للأرض فوق كل شيء. تلك الأرض التي شكلت مصدر رزقهم وحياتهم، المكان الذي أرادوا أن يعيشوا ويموتوا فيه - هل يمكننا إذًا القول إن هذه الزراعة تُعارض حزب الله؟ أم أنها تدعمه؟
عندما سألنا زهير الدبس، رئيس منصة "مناطق.نت" التي تغطي وتركز على قضايا المناطق المهمشة، عما إذا كان قد لاحظ نمطاً متكرراً في استهداف الأصوات المعارضة، أجاب قائلاً: "إن استهداف الأصوات المعارضة، إن صح التعبير، ليس بالأمر الجديد. فهو يستند إلى خطاب أحادي الجانب لا يقبل أي رأي آخر ويجعله نقيضاً له، حتى لو كان سؤالاً بديهياً، أو وصفاً مختلفاً، أو تحليلاً يتعارض، على أقل تقدير، مع الخطاب السائد".“
وأضاف قائلاً: "هذه السمة مرتبطة بالأحزاب الأيديولوجية، بما فيها الأحزاب الدينية، وليست نتاجاً للحظة الراهنة، بل هي نتاج عقود من التعبئة التي تتماشى مع شعارات النصر والبطولة والثبات. ولذلك، فإن استهداف أي صوت معارض يندرج ضمن هذا السياق، الذي ترسخ بعمق لسنوات عديدة، تحت نفس المسميات التي تحتكر الرؤية والشعار والحل".
يتزايد الاستقطاب، وتتشابك العواطف مع الولاءات السياسية. وكما قال الفيلسوف سلافوي جيجيك ذات مرة، فقد دخلنا عصر علم النفس. لا أنوي هنا تحليل مشاعر أنصار حزب الله، إذ يصعب فصل هذه المشاعر عن الوضع الاقتصادي وعن أربعة عقود من "الانتصارات" التي يتوهمها أنصاره في مواجهاتهم مع خصومهم في الداخل والخارج، مثل أحداث 7 مايو، وحرب يوليو 2006، والحرب السورية، وحتى الصراع في اليمن.
عندما سُئل زهير الدبس، أجاب بأن اللحظات السياسية التي تتصاعد فيها حملات الخيانة تعود إلى تقليد طويل في هذا السياق، بما في ذلك ما كان سائداً في ذروة الصراع العربي الإسرائيلي، بشعار "لا صوت أعلى من صوت المعركة"، والذي يتم تجديده اليوم تحت شعار "الكلمة للميدان".
هذا يعني مزيداً من تقييد النقاش العام، وإسكات الأصوات، وتشديد القيود على حرية التعبير، بحيث يتم استبعاد أي رأي مخالف أو تجريمه وإبعاده عن المجال العام، لصالح خطاب واحد يهيمن باعتباره التعبير الوحيد عن "الحقيقة". وفي أقصى تجلياته، يؤدي هذا إلى تعطيل أي إمكانية للنقاش التعددي، ويحصر الكلمة الأخيرة فيما يُنسب إلى "المجال".“
إن تأثير هذا المنطق، في أخطر صوره، يمتد إلى إضعاف أو تعطيل عمل مؤسسات الدولة الدستورية، وخاصة مجلس الوزراء ومجلس النواب، وصولاً إلى منصب رئاسة الجمهورية، حيث يتم اختزال العملية السياسية إلى مصدر واحد للقرار والتوجيه.
يرى الدبس أن تزايد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتعبير، وتحررها من قبضة الرقابة، قد زاد من أساليب الترهيب للسيطرة على الفضاء العام. وأفضل مثال على ذلك ما أصبح شائعاً "قبل وبعد السخرية"، حيث يُجبر كثيرون ممن عبّروا عن آرائهم علناً على التراجع عنها والاعتذار تحت التهديد.
هذا ما حدث مع منصة "مواقع نت"، التي نشرت مقطع فيديو لامرأة نازحة من عيترون إلى مأوى في صيدا، عبّرت فيه عن رأيها ومعاناتها بكلمات بسيطة وعفوية وصادقة. تعرّضت المرأة والمنصة لتهديدات وحملات ترهيب وضغوط شديدة في محاولة لحذف الفيديو من المنصة وإجبار المرأة النازحة على الاعتذار. يعكس هذا تضييق نطاق الحرية إلى أدنى مستوياتها، أو حتى إلغاء الحق في التعبير عن الألم.
قد يعتقد البعض أن الهجمات التي يشنها المدافعون عن هذا الجانب مبررة وتندرج ضمن إطار النقد الطبيعي وحرية الرأي، لكن الدبس يوضح قائلاً: "من البديهي أن التعبير عن الرأي مكفولٌ بالدستور ومحميٌّ بالقانون، وأن أي نقد لهذا الرأي يبقى متاحاً ومشروعاً بموجب القانون أيضاً". إلا أن المشكلة، كما يراها، تبدأ عندما يتحول الرد على الرأي إلى حملات منظمة تمارس الترهيب والتهديد، إذ يخرج الأمر حينها من إطار النقاش العام إلى إطار قمع الرأي الآخر وإسكاته.
تروي منى الجهمي، وهي مُدرّسة فلسفة في التعليم الثانوي لمدة 34 عامًا، ونزحت من مدينة صور، أنها بدأت الكتابة والنشر والتعبير عن معارضتها لحزب الله منذ الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، حيث دعت إلى تسليم الأسلحة إلى الدولة، مُعتبرةً أنه لم تعد هناك حاجة إليها. كما دعت إلى الاقتداء بالمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الألماني في الحرب العالمية الثانية، لكن هذه الدعوات لم تلقَ أي استجابة.
وتشير إلى أن مقالاتها نُشرت في صحيفة النهار، خاصة بعد حرب يوليو 2006، وأنها في تلك المرحلة أصبحت عدوة في نظر ما تسميه "البيئة الحاضنة"، وتعرضت لحملات من الإهانات والنبذ الاجتماعي والاتهامات، بما في ذلك اتهامها بأنها "كاتبة مدفوعة الأجر" و"ماسونية" و"عميلة صهيونية"، على حد تعبيرها.
وتقول إن غضبها من هذا السلوك اشتد خلال ما وصفته بـ "الكارثة الأولى" في عام 2024، حيث واصلت نشر مواقفها وانتقاداتها اليومية عبر صفحتها على فيسبوك، مشيرة إلى محاولات متعددة لكبح انتقاداتها من خلال اتهامات بالخيانة والتشهير والإهانات، دون التوقف عن النشر أو حذف أي من موادها، على الرغم من تلقيها تهديدات لمنعها من العودة إلى مدينة صور بعد نهاية الحرب، وهو أمر تقول إنها لم تهتم به، وعادت "برأس مرفوع"، كما تصفه.
فيما وصفته بـ"الكارثة الثانية" لعام 2026، أفادت بأن وتيرة الهجمات الإلكترونية قد ازدادت بشكل ملحوظ، وأنها تتلقى رسائل تهديد وإساءة من مصادر متعددة، بما في ذلك طلاب وأعضاء حزب وشباب وشابات، عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما أشارت إلى أن هذه الضغوط امتدت إلى عائلتها، حيث تم التواصل مع ابنتها في بيروت وتهديدها وترهيبها.
تعبر جهمي عن خوفها وشعورها بالذنب تجاه عائلتها، لكنها تؤكد أنها تواصل الكتابة والنشر دون حذف أي من منشوراتها أو مقابلاتها، معتبرة أنها لم تعد تملك ما تخسره في ضوء ما تصفه بـ "الخراب العام"، مشيرة إلى تمسكها بما تعتبره "ثباتاً" في مواجهة هذه الضغوط.
استناداً إلى الرسائل ولقطات الشاشة التي أرسلتها لي، احتوى العديد منها على تلميحات جنسية صريحة وإهانات، مما يعكس مستوى إضافياً من العنف الاجتماعي الموجه.
هذا النوع من الهجوم لا ينفصل عن البعد الجنساني للاستهداف، حيث يتفاقم العنف عندما تكون النساء الطرف المعارض أو الناقد، وبالتالي لا يقتصر الأمر على أصواتهن وآرائهن السياسية، بل يتم استهداف هويتهن الجنسية أيضًا كنقطة ضعف إضافية تضفي الشرعية على خطاب الترهيب أكثر فأكثر.
تتعرض النساء في الفضاء الرقمي العام بشكل غير متناسب لخطاب جنسي صريح تشهيري وتهديدي، يهدف إلى إجبارهن على الانسحاب أو ممارسة الرقابة الذاتية. يُنظر إلى هذا النوع من العنف على أنه امتداد للعنف الرقمي في الفضاء العام، وليس مجرد حالات فردية معزولة.
وبهذا المعنى، يتخذ الهجوم طابعاً معقداً: سياسي من جهة، وجنساني من جهة أخرى، حيث تُستخدم الإهانات الجنسية والتلميحات الجسدية كأداة لإسكات الأصوات والتحكم في حدود المشاركة في كل من العالمين الافتراضي والواقعي.
تقول الصحفية اللبنانية مريم سيف الدين، وهي لاجئة سياسية في فرنسا، إن أولئك الذين يتعرضون باستمرار لحملات عبر الإنترنت يصبحون أكثر عرضة للبقاء تحت الأضواء وتحت المراقبة المستمرة، لأن هذه الهجمات لا تأتي بشكل عشوائي، بل إن الأحزاب التي تشنها معروفة إلى حد كبير من خلال مواقفها السابقة، مما يجعل من الصعب فصلها عن سياقها السياسي والأيديولوجي.
وفي هذا السياق، تشير إلى حادثة وقعت لها بعد أن كتبت منشورًا على منصة "X" جاء فيه: "إذا كان الوحش فمه مفتوحًا، فلا ترمِ نفسك فيه"، لكن هذا التعليق سرعان ما تحول إلى مادة لحملة جديدة على الإنترنت ضدها.
وتشير إلى أن ناشطًا في مجتمع حزب الله على الإنترنت، يحظى بشعبية واسعة بين مؤيدي الحزب، هو من أطلق الحملة. وقد حظي منشوره بتفاعل كبير على منصة إكس، حيث تجاوز عدد الإعجابات 1500 إعجاب. وتوضح أن تعليقه تضمن ادعاءً كاذبًا بشأن مكان إقامتها، زاعمًا أنها تعيش في الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب اتهامات ذات طابع أخلاقي أضرت بسمعتها الشخصية.
يقرأ سيف الدين هذا النوع من الخطاب على أنه امتداد لآليات التشهير التي لا تكتفي بالاختلاف السياسي، بل تلجأ إلى استخدام الأوصاف النمطية والجنسانية لتقويض مصداقية النساء على وجه الخصوص، من خلال ربطهن بسرديات أخلاقية جاهزة تهدف إلى إلقاء الشكوك عليهن اجتماعياً ودفعهن إلى التراجع أو التزام الصمت.
وتشير أيضًا إلى أن بعض الهجمات التي تواجهها شخصية وجنسانية، وتتضمن نشر الأكاذيب والشائعات حول حياتها الخاصة في محاولة لتقويض مكانتها الاجتماعية والأخلاقية. وتذكر، على سبيل المثال، تداول ادعاءات لا أساس لها من الصحة حول حياتها الشخصية وإقامتها في فرنسا، وهو ما يتجاوز الخلاف السياسي إلى النبذ الاجتماعي والتشهير. وعلى الرغم من ذلك، تؤكد أن هذه الحملات لم تثنها عن الكتابة أو حذف منشوراتها؛ بل على العكس، فهي تحفزها على الكتابة أكثر، انطلاقًا من قناعتها بأن وجود الآراء المخالفة يفتح مساحة ضرورية للتعددية في المجال العام.
تؤكد سيف الدين أن ردود الفعل لا تقتصر على مؤيدي حزب الله وحدهم. فمنذ السابع من أكتوبر، برزت مفارقة صارخة: إذ لجأ أفرادٌ كانت تتشارك معهم سابقًا أرضية مشتركة في نضالاتٍ قائمة على مبادئ مناهضة التحريض والتمييز الجنسي وخطاب الكراهية، إلى ممارسات مماثلة من الخيانة والإقصاء. وتعتقد أن هذه الظاهرة لا تقتصر على أفرادٍ بعينهم، بل تعكس تحولًا أوسع في المجال العام، حيث يكفي مجرد التعبير عن رأي مخالف لتصنيف شخص ما بأنه ظالم أو متعاون أو عدو سياسي.
وتضيف أن بعض الأدوات والمفاهيم التي كانت تستخدم سابقاً لمواجهة الهياكل الأبوية والاستبدادية يتم إعادة تغليفها بشكل انتقائي، وأن المصطلحات والأساليب، بما في ذلك "التقاطعية"، تُستخدم كأدوات لإضفاء الشرعية على عمليات الإقصاء والخيانة.
تلاحظ أن حملات الترهيب الإلكتروني تتصاعد في منعطفات سياسية محددة، لا سيما عند تداول معلومات أو روايات تتعارض مع الخطاب السائد. وفي هذا السياق، تشير إلى أن الأحزاب السياسية، وخاصة حزب الله، ركزت بشكل متزايد على استخدام المنصات الرقمية للسيطرة على الرأي العام، مستفيدة من قدرة هذه المنصات على الانتشار السريع، ونشر المعلومات المضللة، وممارسة أشكال من السيطرة الاجتماعية في المناطق ذات الأغلبية الشيعية.
تُثير هذه القضايا مسألة أوسع نطاقًا تتعلق بالعلاقة المعقدة بين حرية الرأي والتعبير من جهة، وخطاب الكراهية وآليات مراقبة المحتوى في الفضاء الرقمي من جهة أخرى. ولا يبدو أن المسألة تقتصر على مجرد خلاف حول حدود النقد أو اختلاف في الرأي، بل ترتبط ببنية المجال العام نفسه، وكيفية إدارة التعددية داخله في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي والاجتماعي وخطاب الكراهية.
لذا، تبرز الحاجة إلى نهج قانوني ومؤسسي واضح ينظم الفضاء الرقمي ويحد من أشكال العنف اللفظي والتحريض والتشهير، بما في ذلك الحملات الإلكترونية المنظمة، دون أن يتحول هذا النهج إلى أداة لتقييد حرية التعبير أو يُستخدم كوسيلة لإسكات الأصوات الناقدة. ويكمن التحدي الرئيسي في إيجاد توازن دقيق بين حماية الأفراد من خطاب الكراهية والتهديدات، وضمان الحق الأساسي في التعبير والنقد والمساءلة.
يُسهم ترك الفضاء الرقمي دون ضوابط فعّالة في انتشار التحريض، مما يؤثر بشكل مباشر على الواقع الاجتماعي، لا سيما عندما تُصبح الخلافات السياسية ذريعةً لاتهامات الخيانة، أو الهجمات الشخصية، أو الاستهداف القائم على النوع الاجتماعي. في هذا السياق، لا يمكن فصل بعض أشكال العنف الرقمي عن أنماط التصعيد السياسي المتراكمة على مر السنين، والتي تُهيئ بيئةً خصبةً لخطابات الإقصاء والتشهير. تُعدّ قضية المعارض السياسي لقمان سليم، الذي قُتل عام 2021 في جنوب لبنان بعد سنوات من التهديدات وحملات التحريض ضده، مثالاً واضحاً على ذلك. يُبيّن هذا المثال خطورة تداخل الخطاب الرقمي والسياسي في خلق مناخ من العنف قد يمتد من العالم الافتراضي إلى العالم الواقعي.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الاستخدام المفرط أو الانتقائي لأدوات الرقابة قد يقوض ثقة الجمهور ويوسع الفجوة داخل المجتمع، بدلاً من أن يساهم في تنظيم وحماية المجال العام.
لذا، تقع على عاتق الدولة اللبنانية مسؤولية تطوير إطار تشريعي ومؤسسي يواكب تحولات الإعلام الرقمي، ويُرسي بيئة تضمن سلامة التعبير من جهة، وتحمي المجال العام من الانزلاق إلى الفوضى الرقمية من جهة أخرى. ويرتبط هذا أيضاً بإعادة ترسيخ مفهوم المواطنة كإطار شامل يتجاوز الانتماءات الضيقة، ويُعيد إحياء فضاء النقاش العام، مما يُتيح عودة الثقة بين الأفراد والمؤسسات، ويُعزز إمكانية التعددية في المجال العام.