ماذا تعني حرية التعبير في لبنان ؟

في 27 فبراير 2025، عُقدت جلسة توعية بعنوان "ماذا تعني حرية التعبير؟" بتنظيم من مجموعة "داورونا - متحدون من أجل التغيير". لم تكن هذه الجلسة مجرد نشاط توعوي عادي، بل تحولت إلى فضاء سياسي وحواري نابض بالحياة، حيث اجتمع نحو 12 مشاركًا من خلفيات متنوعة: طلاب جامعيون، ونشطاء، وصحفيون، وأفراد من مجتمع الميم، وأشخاص من ذوي الإعاقة. لم يكن هذا التنوع مجرد تفصيل عابر، بل كان بمثابة النبض الحيوي وروح الجلسة، مما أتاح لنا رؤية الموضوع من زوايا متعددة وتجاوز الحواجز النمطية التي تعيق فهمنا لحرية التعبير.
خلال الجلسة، سلطتُ الضوء على تفكيك المفهوم القانوني لحرية التعبير، مؤكدًا على ما ينص عليه الدستور اللبناني من جهة، وما تتضمنه القوانين العقابية من جهة أخرى - وهي قوانين تُستخدم غالبًا لتقييد الحريات، مثل التشهير والقذف، والإساءة إلى كرامة الدولة، وغيرها من البنود المبهمة التي تُفرغ الحقوق من معناها. كما قدمتُ مقارنة مباشرة مع القوانين والاتفاقيات الدولية، مثل المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تضمن هذا الحق بشكل قاطع لا لبس فيه. وناقشتُ أيضًا أمثلة واقعية لانتهاكات في لبنان، سواء ضد صحفيين أو فنانين أو ناشطين أو حتى أفراد عاديين عبّروا عن آرائهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
لم تكن الجلسة محاضرة تقليدية، بل كانت تجربة فريدة. تضمنت عرضًا مرئيًا ساهم في توضيح المفاهيم القانونية بسلاسة وبساطة. كما أُجري اختبار قصير، أتاح للمشاركين فرصة تقييم معارفهم الأساسية، مما أدى إلى مناقشات أعمق وأكثر جدية. وتطور الحوار المفتوح إلى نقاش حقيقي حول مفهوم الحرية وحدودها، وتناول غموض اللغة القانونية، وطرح تساؤلات حول ما يجب تغييره في القوانين اللبنانية لجعلها أكثر عدلًا ووضوحًا.
كانت إحدى أكثر اللحظات تأثيراً هي النقاش حول اللغة المستخدمة في صياغة القوانين. تساءل العديد من المشاركين: من يكتب النصوص القانونية؟ ولماذا تُصاغ بأسلوب غامض؟ وهل تهدف إلى حماية النظام أم الشعب؟ كشفت هذه التساؤلات عن وعي سياسي عميق لدى المشاركين، لا سيما المنتمين إلى الفئات المهمشة، ودفعتنا إلى التفكير الجماعي في ضرورة إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة، وبين النصوص القانونية والحياة اليومية.
انطلاقاً من موقعي كمدرب، أؤمن بأن هذه الحوارات والجلسات جزء لا يتجزأ من مشروع وطني طويل الأمد. إن رفع مستوى الوعي القانوني بحق التعبير ليس ترفاً، بل هو شرط أساسي لبناء مجتمع واعٍ لحقوقه. إن التواصل مع الفئات المهمشة والعودة إلى واقعها على أرض الواقع هو السبيل الوحيد لتحقيق أي تغيير سياسي واجتماعي وثقافي حقيقي في بلد كلبنان، حيث تُستخدم القوانين أحياناً كأداة قمع بدلاً من أن تكون درعاً يحمي الحريات.
