دور المرأة في المصالحة وبناء السلام

خلال جلسة شبابية تناولت العدالة الانتقالية والذاكرة الجماعية، ناقش عدد من الشباب في لبنان موضوعًا غالبًا ما يتم تهميشه في الخطاب المتعلق بمرحلة ما بعد النزاعات، وهو الدور المحوري للنساء في حفظ الذاكرة وبناء السلام.ومن خلال سرد القصص والحوار، اجتمع 11 شابًا وشابة من خلفيات وجندريات وقدرات متنوعة للتعرّف إلى ماضي لبنان، وفهم الإسهامات الأساسية التي تقدمها النساء في بناء مستقبله.
بدأت الجلسة بمشاركة الحاضرين قصصًا عائلية تناقلتها الأجيال حول الحرب الأهلية اللبنانية. ومن خلال الأنشطة التفاعلية والنقاشات المفتوحة، تعرّف المشاركون إلى أهمية الذاكرة الجماعية، وكيف يمكنها أن تكون أداةً للتعافي والمصالحة، أو أن تؤدي إلى تعميق الانقسامات، بحسب مدى شمولها وعدالتها.
استعرض الشباب رواياتهم المتنوعة وقارنوها ضمن نقاش كشف عن الجراح العميقة التي خلّفتها الحرب الأهلية اللبنانية بين عامَي 1975 و1990، والتي لا يزال الكثير منها من دون معالجة حتى اليوم.وتتجلى آثار هذه الجراح في التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المستمرة. كما ناقش المشاركون إقصاء النساء عن اتفاقيات السلام، ومنها اتفاق الطائف، وعن مساحات صنع القرار، على الرغم من الأدوار المهمة التي أدّينها داخل المجتمعات المحلية خلال الحرب وفي مسارات بناء السلام.
وتطرّقت المجموعة إلى قضايا غالبًا ما تغيب عن كتب التاريخ والخطاب العام، ومنها مفهوم الذاكرة الجماعية والدور الحيوي الذي تؤديه النساء في الحفاظ عليها.واستشهد المشاركون بأمثلة من واقع أمهات المفقودين وزوجاتهم وبناتهم، اللواتي خضن نضالًا طويلًا من أجل معرفة الحقيقة وتحقيق السلام، متجاوزات مختلف الانقسامات والفئات الاجتماعية.وشدّدوا على أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاكمات والإجراءات القانونية، بل يجب أن تشمل أيضًا بناء ذاكرة جماعية تكرّم جميع الضحايا، بصرف النظر عن خلفياتهم أو الظروف التي مرّوا بها.فالذاكرة ليست مجرد استعادة لما حدث في الماضي، بل هي أداة قوية لإعادة تشكيل الحاضر وبناء مستقبل أكثر عدلًا.“"“
وفي ختام الجلسة، أعدّ الشباب رسالة موجهة إلى مجلس النواب اللبناني، شدّدوا فيها على ضرورة إشراك النساء في صنع القرار وبناء السلام وتوثيق تجاربهن، بعيدًا عن الإقصاء القائم على النوع الاجتماعي، وعن احتكار كتابة التاريخ وصياغة السياسات.
كشفت هذه الجلسة عن الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها الشباب اللبناني لإجراء حوار عقلاني وبنّاء. كما سلّطت الضوء على ضرورة الاستمرار في إنشاء مساحات تعليمية مماثلة، تُكسَر فيها حالات الصمت التاريخية، ويُشجَّع التفكير النقدي، وتتعمّق المسؤولية الجماعية.
فالسلام المستدام لا يقتصر على إنهاء العنف، بل يتطلب مشاركة فاعلة من الأجيال الجديدة، ولا سيما الفئات المهمّشة، في تشكيل الذاكرة الجماعية، والتعلّم من الماضي، وتجنّب تكرار أخطائه.ومن خلال هذه العملية الشاملة وحدها، يمكن للبنان الانتقال من حالة التعايش الهش إلى مصالحة حقيقية.
وفي بلد لا يزال يواجه إرث الحرب وتداعياتها، لا يُعدّ تمكين الشباب من التفاعل مع قضايا الذاكرة والعدالة، مع تقدير الدور القيادي للنساء، ترفًا، بل ضرورة أساسية لتحقيق سلام دائم.
