+961 76 547 304

تسجيل الدخول

تسجيل

بعد إنشاء حساب، ستتمكن من تتبع حالة الدفع الخاصة بك، وتتبع التأكيد.
اسم المستخدم*
كلمة المرور*
تأكيد كلمة المرور*
الاسم الأول*
اسم العائلة*
البريد الإلكتروني*
هاتف*
عنوان الاتصال
بلد*
* إنشاء حساب يعني موافقتك على شروط الخدمة وبيان الخصوصية الخاصين بنا.
يرجى الموافقة على جميع الشروط والأحكام قبل الانتقال إلى الخطوة التالية

هل أنت عضو بالفعل؟

تسجيل الدخول

لا قيامَ لدولة لبنانيّة حديثة من دون الشيعة

لا شكّ في أن الدولة اللبنانية ضعيفة وهشّة، إذا فهمنا “الدولة” بوصفها السلطة السياسية والجهاز البيروقراطي الذي تديره. بل هي ضعيفة وهشّة جدّاً. ولكنّ السلطة ليست ركن الدولة الوحيد، فللدولة ثلاثة أركان أساسية: الأرض والشعب والسلطة.

لوجود “الدولة” على بقعة جغرافية معيّنة تحتضن جماعة بشرية ما، يُشترط وجود مؤسّسات تحتكر استخدام العنف، فبدون ذلك تحلّ “الفوضى” ولا يمكن الحديث عن دولة بالمفهوم الحديث.

هذا ما قاله عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، الذي عرّف الدولة بأنها “المصدر الوحيد لـ”الحقّ” في استخدام العنف”، في محاضرة ألقاها في عام 1919، ونُشرت في كتاب يحمل عنوان “السياسة كمهنة”.

تحت هذه المظلّة، أي مظلّة الدولة التي تحتكر استخدام العنف، تأتي السياسة الحديثة، بما تعنيه من “السعي إلى تقاسم السلطة أو إلى التأثير في توزيعها، سواء بين الدول أو الجماعات داخل الدولة”، بحسب فيبر.

لا دولة، لا سياسة

ربما يساعد هذا المدخل النظري في فهم ما يحدث في لبنان حالياً. استمرار “حزب الله” في الوجود كتنظيم مسلّح قادر على منافسة الدولة في احتكارها العنف، يَحُول دون نشوء دولة حديثة لا بل يَحُول أيضاً دون ممارسة السياسة بمعناها الحديث.

في ظلّ الوضع الراهن، لا يمكن أن تتنافس الأحزاب اللبنانية في استحقاقات ديمقراطية لتزيد من حصّتها في توزيع السلطة، لأن هنالك طرفاً يحجز لنفسه مسبقاً، وبغض النظر عن الاستحقاقات الديمقراطية ونتائجها، جزءاً كبيراً من هذه السلطة كونه يمتلك سلاحاً خارجاً عن سلاح “الدولة”.

هذا السلاح، أي سلاح “حزب الله”، يفرض واقعاً من اللا مساواة بين الأحزاب اللبنانية، وبالتالي بين المواطنين اللبنانيين، ويتحدّى مفاهيم أساسية لا قيامَ لدولة حديثة من دونها، ومنها مفهوم “دولة القانون” الذي يشترط أيضاً احتكار الدولة ممارسة العنف، ومنها أيضاً مفهوم “النظام الديمقراطي”.

نشأ الواقع الذي نعيش تبعاته مع تخلّي “الدولة” عن مسؤوليّاتها تجاه أبناء جنوبها، ويصادف أنهم في غالبيتهم ينتمون إلى الطائفة الشيعية، عندما سمحت بتقاسم احتكارها العنف على هذه الرقعة الجغرافية مع “منظّمة التحرير الفلسطينية” في اتّفاق القاهرة في العام 1969.

لولا هذا الاتّفاق وما تناسل منه لما كان لبنان شهد اجتياحين إسرائيليين واحتلالاً، ولما نشأ “حزب الله” على الصورة التي نشأ عليها، وربما لما وقعت حرب أهلية. وبالتالي، في ميزان التاريخ، يمكن اعتبار أن المسؤوليّة عن الواقع الذي نعيشه اليوم عابرة للطوائف، ولكن في ميزان الحاضر تقع بشكل أساسي على “الثنائي الشيعي”، الذي يعاند المساعي لتصحيح وضعٍ شاذّ، والانتقال إلى وضع يعيش فيه جميع اللبنانيين، شيعة وغير شيعة، في دولة حديثة تتصارع داخلها الأحزاب والطوائف على السلطة بطريقة ديمقراطية.

الدولة المنشودة

يحكم السجال الدائر حالياً في لبنان منطق أسبقية البيضة على الدجاجة أو العكس. يحاجج “حزب الله” رسمياً بأن سلاحه لا يزال ضرورياً للدفاع عن لبنان (أو عن شيعة لبنان) في مواجهة إسرائيل، كما يحاجج بشكل غير رسمي بضرورته للتصدّي لاحتمال مخاطر قد تأتيه من حدوده الشرقية، ولعدم المسّ بحقوق المواطنين الشيعة في التوازنات اللبنانية الداخلية. ويقول إن شرط تسليمه هو قيام “الدولة القويّة القادرة العادلة التي تحمي لبنان واللبنانيين”.

في محاججته، يُغيّب “حزب الله” حقيقة أن الوصول إلى دولة قويّة مستحيل في ظلّ استمراره بحمل السلاح، لأن مقاسمته الدولة القدرة على ممارسة العنف تمنع توافر الشروط الضرورية لقيام “الدولة القويّة القادرة العادلة”.

يعرف “حزب الله” هذا الأمر، ولكنّه يرى أن من مصلحته الاستمرار في خطابه حول هذه المسألة، فظاهره إيجابي ومقنع لكثيرين، ويساهم في إنتاج مزاج شعبي شيعي فاقد للثقة بالدولة وبمؤسّساتها وبمسؤوليها، لا بل يتندّر عليهم، وهو مزاج لازم للإبقاء على علاقات القوّة القائمة حالياً بين “الدولة” و”دويلة حزب الله”، أو تلك التي كانت قائمة قبل هزيمته في الحرب الأخيرة.

ويعرف “حزب الله” أن استعادة الناس ثقتهم بالدولة وبمؤسّساتها، أو مجرّد انتقالهم إلى المراهنة عليها، يصعّب عملية انقلابه على التفاهمات التي أعقبت الحرب الأخيرة، فوجوده كلّه يشترط علاقة تضادّ بين منطق الدولة وبين مزاج اللبنانيين الشيعة.

الدولة هي الشعب أيضاً.

لا شكّ في أن الدولة اللبنانية ضعيفة وهشّة، إذا فهمنا “الدولة” بوصفها السلطة السياسية والجهاز البيروقراطي الذي تديره. بل هي ضعيفة وهشّة جدّاً. ولكنّ السلطة ليست ركن الدولة الوحيد، فللدولة ثلاثة أركان أساسية: الأرض والشعب والسلطة.

خطاب “حزب الله” عن الدولة، وأيضاً خطاب معظم القوى السياسية- الطائفية في لبنان، يكاد يُغيّب الشعب، إذ يصوّر الدولة ككيان متعالٍ عن البشر ومنفصل عنهم.

يربط هذا التغييب كلّ السجال بالزمن الراهن وما فيه، ويُقصي المستقبل من المعادلة. والمستقبل وشكل الدولة فيه يحدّدهما الشعب، مع الوقت، وليس بين ليلة وضحاها، ولكن بعد توافر الشروط الضرورية التي تمهّد لنشأة دولة حديثة أو أقلّه لتجعل منها احتمالاً ممكناً.

هنا تماماً ينبغي أن يأتي دور الشيعة، بوصفهم أكثر مَن عانوا من غياب الدولة وتبعاته، وبوصفهم ربما أكبر طائفة من حيث الحجم الديموغرافي، وبالتالي أكبر كتلة شعبية مشاركة في صنع السياسة في نظام ديمقراطي مأمول، ليكونوا رافعة للدولة الحديثة ولنظام ديمقراطي، بالتشارك مع باقي اللبنانيين. 

هذه ليست مهمّة سهلة، ونتائجها الإيجابية لن تكون فورية، ولكنّها طريق لا بدّ من سلوكه إذا أردنا مستقبلاً أفضل.