في 8 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، اتّخذ “حزب الله” قرار فتح جبهة الجنوب لمساندة غزّة إثر عمليّة “طوفان الأقصى”، التي نفّذتها حركة “حماس” في 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر، أي بعد يوم واحد من العمليّة، وتلبية لنداء “وحدة الساحات” الذي أطلقته على لسان ناطقها الرسمي أبو عبيدة.
جبهة ظلّت في شهورها الأولى مقيّدة ضمن ما عُرف بـ”قواعد الاشتباك”، لكنّ رياح “الإسناد” لم تهبّ كما تشتهي سفن “الطوفان”، ما لبثت “قواعد الاشتباك” التي كانت معتمدة من الجانبين، أن بدأت تتفكّك وتتمدّد بالتدرّج، وصولاً إلى يوم الانفجار الكبير الذي أسفر عن اغتيال الأمين العامّ حسن نصر الله، وإعلان الحرب الشاملة ضدّ لبنان لمدّة 66 يوماً.
مضى ما يقرب من السنتين على “الطوفان” و”الإسناد”، غزّة ما زالت غارقة في دمائها تواجه آلة التوحّش الإسرائيلية وحيدة، في حرب وصفتها أعلى المقامات الدولية بالإبادة الجماعية، التي أُضيفت إليها منذ أشهر حرب التجويع أيضاً.
أما لبنان المنهك أساساً بسبب الانهيار المالي وسرقة الودائع، فقد تفاقمت خسائره الاقتصادية، علاوة على تأزّم الوضع السياسي؛ رغم نجاحه في انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً جديداً للجمهورية بعد استعصاء دام لأكثر من سنتين، وتشكيل حكومة برئاسة القاضي نوّاف سلام، لوصول مسألة حصر السلاح بيد الدولة، إلى مستوى الشرخ والتهديد بحرب أهلية.
المناطق الشيعية التي استهدفتها الحرب الإسرائيلية (الضاحية الجنوبية لبيروت ومحافظات الجنوب والنبطية والبقاع) ما تزال تنزف وما زالت عرضة لاعتداءات إسرائيلية متكرّرة.
بشرياً، كلّ يوم تقتل المسيّرات الإسرائيلية مزيداً من المحازبين وحتى المدنيين الأبرياء، وتتحكّم بإيقاع الحياة في المناطق الجنوبية الحدودية (نحو 43 قرية) تحدّد من يسكن فيها ومن لا يحقّ له السكن، ومن يملك حرّية التحرّك فيها ومن لا يملك.
أما اقتصادياً فإعادة الإعمار تأخّرت كثيراً بسبب تعقيدات دولية، وشروط مفروضة على الحكومة اللبنانية التي تبلّغت تكراراً أن لا مساعدات للإعمار والنهوض من دون حسم مسألة سلاح “حزب الله”. فيما يمكن وصف التعويضات المالية للنازحين من المناطق المدمّرة والمتضرّرة بالهزيلة، أما الذين فقدوا أرزاقهم وتجاراتهم فلم تلحظهم العويضات بتاتاً.
من نافل القول إن الطائفة الشيعية في لبنان، تدفع الضريبة الأعلى لهذه الحرب المفتوحة منذ ذلك التاريخ المشؤوم، ذلك أنها دخلت فيها بقرار متفرّد من قيادتها، ولأن استمرارها بات يشكّل خطراً وجودياً عليها كجماعة بشرية.
فما تشهده المناطق الشيعية منذ حرب “الإسناد” حتى اللحظة، تنطبق عليه كلّ مواصفات النكبة… نكبة على الصعيد الوجودي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. الأرقام غير الرسمية المتداولة عن أعداد القتلى والضحايا مهولة، كذلك الجرحى والمعوّقين، أما الأرقام الاقتصادية فرغم فداحتها، ليس هناك مسح ميداني يكشف حجمها الحقيقي بعد، هذا إضافة إلى التمزّق الذي أصاب النسيج الاجتماعي، بالقتل والتهجير.
ربما هذه النكبة إن صحّ التعبير، هي من أعمق النكبات وأكثرها تحدّياً التي واجهت المكوّن الشيعي منذ تأسيس دولة لبنان الكبير. لم يسبق أن شعر الشيعة في لبنان بقلق الاقتلاع أو التهجير أو الإبادة في تاريخهم كما هو اليوم، لا حين استثنتهم الاتّفاقيات الأولى حول توزيع السلطة وتقاسمها بين الطوائف، ولا حين كانت حصّتهم من مكاسبها شحيحة، ولا حين فُرض عليهم “اتّفاق القاهرة”، ولا حتى خلال الاحتلالات والحروب الإسرائيلية المتكرّرة.
كانت مطالبهم في مرحلة التأسيس تدور في فلك السياسة، وضمن رؤيتهم الخاصّة للكيان الحديث الولادة، والانتماء العربي، ورفض إرادة المستعمر الأجنبي، لذلك ربما، دفعوا ثمن مواقفهم عقوداً من التهميش والحرمان، ولذلك أيضاً، أطلقوا على أنفسهم “طائفة المحرومين”؛ رغم أن نظرية “الحرمان الشيعي” بدت مضخّمة قليلاً، لوجود جماعات ومكوّنات أخرى في مناطق أخرى على امتداد الخارطة اللبنانية، كانت تعاني وما تزال تعاني الواقع نفسه، حيث تنتهج الدولة المركزية سياسة إهمال الأطراف… ثم تضافرت الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية، يحدوها وعي جمعي بحقّ المساواة والمواطنة، واجتمعت مع عوامل أخرى، لتغيّر مسار الطائفة ومصيرها، وتنقل من التصق بقيادتها من جحيم الحرمان إلى جنّة السلطة… وصولاً إلى حيث صدّقت شرائح كثيرة منها وهم القوّة، وأنها أصبحت “دولة ضمن دولة”، فاستبدّت وتغوّلت، ثم انتهت إلى ما انتهت إليه سابقاتها في هذه التجربة… على محكّ التهديد الوجودي!
سبق أن مرّت الطائفة المارونية في هذا النفق، وعادت منه أكثر التصاقاً بلبنان من أخواتها، وربما جاء الدور اليوم على الطائفة الشيعية، لتخرج من هذا النفق وتعود إلى حاميتها الوطنية. ذلك أن لبنان الوطن السهل البسيط والشديد التركيب والتعقيد في الوقت نفسه، والنهائي لجميع أبنائه ومكوّناته وأطيافه وطوائفه، كان وما يزال يملك القدرة على إعادة ترتيب علاقاته مع أهله وعلاقات أهله في ما بينهم، وإن كلّف ذلك حروباً وانقسامات أفقية وعمودية وإعادة تشكيل من الصفر…
من المؤسف القول لنجعل من هذه الحرب، وما تركته من آثار مفجعة وما خلّفته من مآسٍ وأزمات فرصة؛ فليتها ما كانت، لكن علينا أن نحكي على “بساط أحمدي” كما يُقال وبصوت عالٍ: ليكن هذا الخراب منطلقاً لنا، لإعادة تعريف هوّيتنا، وانتمائنا الوطني، والتزامنا بشروط العقد الاجتماعي بيننا وبين الدولة، كمواطنين عليهم واجبات ولديهم حقوق، ولنبدأ معاً مواطنين ودولة، ورشة إعادة الإعمار… إعمار ما دمّرته الحرب، وإعمار ما دمّرناه نحن من بنائنا الوطني، وقيمنا الأهلية وعلاقاتنا الاجتماعية.
بناء على اجتماع ما سلف من أسباب ونتائج تشكّلت مبادرة “دورنا نحكي”، كمحاولة لتناول “المسألة الشيعية” وعلاقتها بقضيّة بناء لبنان خالٍ من السلاح، ولكن أيضاً لبنان يشعر جماعاته بأن دولة قوّية وعادلة قادرة على طمأنتهم، وعلى إعادة بناء هوّية للبلد هم في صلبها وليس على هامشها.
انطلاقاً من شعورنا بالمسؤولية، ومن حرصنا على وقف “النزيف”، بدأ “درج” بالتعاون مع جمعية “دورنا” وهي جمعية محلّية لبنانية معنيّة بقضايا التمكين السياسي، بنشر مجموعة مواضيع تحت عنوان جامع هو “دورنا نحكي”.
عبر هذه المواضيع نتناول “المسألة الشيعية” من كلّ نواحيها: السياسية والاقتصادية والثقافية، من خلال نصوص وتحقيقات وفيديوهات مصوّرة، كتبها وأعدّها محلّلون وباحثون وصحافيون، رصدوا خلالها “الحالة الشيعية” قبل الحرب وأثناءها وبعدها في محاولة للخروج بأفكار وخلاصات حول الأفق السياسي والمواطنة وسياسات إعادة الإعمار. هي محاولة تفكير بما يمكن أن نسمّيه خارطة طريق من أجل إنقاذ ما تبقّى لنا.