+961 76 547 304

تسجيل الدخول

تسجيل

بعد إنشاء حساب، ستتمكن من تتبع حالة الدفع الخاصة بك، وتتبع التأكيد.
اسم المستخدم*
كلمة المرور*
تأكيد كلمة المرور*
الاسم الأول*
اسم العائلة*
البريد الإلكتروني*
هاتف*
عنوان الاتصال
بلد*
* إنشاء حساب يعني موافقتك على شروط الخدمة وبيان الخصوصية الخاصين بنا.
يرجى الموافقة على جميع الشروط والأحكام قبل الانتقال إلى الخطوة التالية

هل أنت عضو بالفعل؟

تسجيل الدخول

المسألة الشيعيّة والسرديّة اللبنانيّة الجامعة: من تراث جبل عامل إلى دولة المواطنة

المسألة الشيعية والسردية الوطنية اللبنانية: من تراث جبل عامل إلى حالة المواطنة

اليوم، ومع تغير الظروف الداخلية والإقليمية، وتزايد تكاليف الاعتماد على الأسلحة - خاصة بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة - يبرز سؤال هادئ وبديهي: كيف يمكن حماية الكرامة والأمن من خلال دولة عادلة، بدلاً من القنوات الموازية؟

على مدى أكثر من قرن، تراوحت روايات الشيعة اللبنانيين بين المشاركة العلمية والثقافية في جبل عامل، وتحديات التمثيل والتنمية داخل الدولة الحديثة، والتجربة القاسية للحروب والحدود المتوترة.

اليوم، ومع تغير الظروف الداخلية والإقليمية، وتزايد تكاليف الاعتماد على الأسلحة - خاصة بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة - يبرز سؤال هادئ وبديهي: كيف يمكن حماية الكرامة والأمن من خلال دولة عادلة، بدلاً من القنوات الموازية؟

جبل عامل: ذاكرة المعرفة والمجتمع

كان جبل عامل مركزًا للدراسات الدينية والأدبية، ومعقلًا للحياة الثقافية والاجتماعية. وتوازنت قراه بين الزراعة والتعليم الديني والمدني. وشهدت المنطقة موجات متتالية من الهجرة إلى المدن وإلى الشتات (أفريقيا والخليج والأمريكتين)، مما ساهم في دورة اقتصادية وفكرية أوسع.

وقد ساهم هذا الإرث العلمي والاجتماعي، إلى جانب شبكات التضامن المجتمعي، في تعزيز روح مدنية مميزة: المدارس، والمناقشات الفكرية، والصحف المحلية، والروابط القوية مع المراكز العلمية في النجف وقم وبيروت.

وبهذا المعنى، لم تكن الرواية الشيعية الأصلية سياسية أو عسكرية في المقام الأول، بل كانت ثقافية واجتماعية، تسعى إلى مكانة مشرفة داخل دولة ناشئة ومجتمع تعددي.

من التفويض إلى الدولة: التمثيل التدريجي والفجوات التنموية

في دولة ما بعد الاستقلال، تزامن نمو الضواحي الجنوبية لبيروت مع تهميش جنوب لبنان وشمال البقاع، وتركهما على هامش البنية التحتية والخدمات. وقد أدى التمركز المفرط، وتحويل الجنوب إلى خط مواجهة دائم، إلى شعور مزمن بالظلم المكاني.

بحلول أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، برز خطاب الإمام موسى الصدر حول العدالة ليطالب علنًا بالحقوق الاجتماعية والتنموية والسياسية. وقد وضع الأسس للتمثيل المنظم (المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى)، وفي نهاية المطاف لحركة سياسية واجتماعية أوسع.

لم يظهر التعبئة المسلحة فجأة، ولم تكن خيارًا أيديولوجيًا محضًا. بل تطورت على مراحل، أولًا كواقع إقليمي فرضته جهات خارجية في بيئة حرب وحدود، ثم إلى بنية مستدامة ذات أذرع دينية واجتماعية وسياسية. إلا أن التكاليف المتراكمة ولّدت عزلة وإرهاقًا بشريًا واقتصاديًا، وتوترًا دائمًا مع مؤسسات الدولة والمجتمعات اللبنانية الأخرى، مما جعل حدود هذا الرهان تتضح أكثر فأكثر.

بلغت ذروة هذا الصدام ما يسمى بـ "حرب الدعم" في أكتوبر 2023، والتي أعقبتها حرب إسرائيل الشاملة على لبنان، والتي جلبت الهزيمة والدمار.

خلافاً للصورة المختزلة التي تركز فقط على الأسلحة والحرب والضحايا، فقد ساهم الشيعة اللبنانيون تاريخياً بشكل كبير في الحياة الوطنية:

علمياً وثقافياً: المدارس والمجلات والكتاب والمسرح والموسيقى وتزويد الجامعات بالكوادر الأكاديمية والمهنية.

اقتصاديا: الزراعة، والصناعات الصغيرة، والتجارة، والمهن الحرة، وجالية نشطة في الخارج أرسلت تحويلات مالية وخبرات، وأنشأت شبكات أعمال.

مدنياً واجتماعياً: المشاركة الفعالة في النقابات والبلديات والحركات الطلابية، مع صعود دور المرأة والشباب في المجال العام، وخاصة منذ انتفاضة 2019.

كانت هذه المساهمة، في جوهرها، مساهمة مدنية لبنانية قبل أن تصبح طائفية. ومن هذا الأساس المتين - وليس من فراغ - يمكن تجديد الرواية الشيعية.

بين الأمن الموازي وأمن الدولة

تُظهر التجارب أن الأمن خارج الدولة يُحقق أمانًا محليًا، ولكنه يُضعف الأمن القومي الشامل، ويُثقل كاهل علاقة الشيعة اللبنانيين بمحيطهم. في المقابل، قد يُؤدي أمن الدولة دون ضمانات حدودية واقعية إلى إحياء مخاوف مختلف الفئات. لذا، تكمن المهمة في تحقيق توازن هادئ: استعادة سلطة الدولة الأمنية من خلال ترتيبات انتقالية تحمي الحدود والشعب، مع مراعاة حساسية الأحداث التاريخية الأخيرة.

هذا يعني أن التعامل مع "الشيعة اللبنانيين" يجب أن ينطلق من اعتبارهم مكوناً أساسياً لدولة المساواة في الحقوق، لا كـ"أقلية قلقة" ولا كـ"جبهة قتال دائمة". ويعني أيضاً أن ردع العدوان مسؤولية سيادية تُدار من خلال مؤسسات الدولة المهنية، واستراتيجيات الدفاع المعلنة، والرقابة الديمقراطية تحت سلطة الدولة.

نحو دولة المواطنة

إنّ معالجة القضية الشيعية تعني الاستثمار في مدارس حكومية عالية الجودة، ورعاية صحية لائقة، وبنية تحتية متطورة، وفرص عمل في الجنوب والبقاع وضواحيها، مع الاستفادة من طاقات أبناء الشتات. وعلى الصعيد الروحي، يعني ذلك استعادة القيم الدينية، لمن يرغب، كبوصلة أخلاقية وروحية: استعادة رمزية كربلاء بمعناها الأخلاقي - العدل والكرامة - لا كوقود للتعبئة المسلحة.

تحتل كربلاء مكانة أخلاقية راسخة في وجدان العديد من الشيعة اللبنانيين، ويمكن تجسيد هذا المعنى في سياق مدني: دعم المظلومين من خلال قضاء مستقل، وصون الكرامة عبر قوانين تُطبق على الجميع بالتساوي. وبهذا، يتحول الخطاب الرمزي من أداة للتعبئة الظرفية إلى بوصلة قيم تُتيح نقطة التقاء وطنية أوسع.

انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية والحرص على وقف "النزيف"، قامت الجمعية الشعبية اللبنانية دارونا—المهتمة بالتمكين السياسي—أطلقت سلسلة من المقالات تحت العنوان الرئيسي “"حان دورنا في الكلام"”, بالتعاون مع درج ميديا.

هذه محاولة لمعالجة المسألة الشيعية في علاقتها بمشروع بناء لبنان خالٍ من الأسلحة، ولكن أيضاً لبنان يمنح مجتمعاته الثقة بأن الدولة القوية والعادلة يمكنها طمأنتهم وإعادة بناء هوية وطنية يكونون فيها في المركز، وليسوا مهمشين.

لا تدعو هذه القراءة إلى إنكار التاريخ أو محو التضحيات، بل إلى استثمارها في عقد اجتماعي جديد: من الحماية المجزأة إلى الحماية الموحدة؛ ومن اقتصاد قائم على الزبائن إلى اقتصاد إنتاجي؛ ومن التوتر المزمن إلى الأمن الذي تديره مؤسسات خاضعة للمساءلة.

من خلال هذا العودة الهادئة إلى جذور جبل عامل - المعرفة والعمل والتضامن - وعبر انتقال منظم نحو دولة المواطنة، يستطيع الشيعة اللبنانيون استعادة دورهم الطبيعي: كقوة للنهضة والتحضر والشراكة، لا كقوة للحرب. هنا، تُصان الكرامة، ويُبنى الطمأنينة، وتتسع قصة لبنان لتشمل الجميع.